× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

أمام أحد بارات دمشق القديمة في تشرين الأول 2025 - © AP

نعيشُ ولكن.. إلى الحرب سِرْ؟!

عقل بارد - شعوب وحروب 05-07-2026

هل يكفي ذهاب الناس إلى وظائفهم وارتيادهم للمقاهي دليلاً على استقرار الأوطان؟ في هذا المقال، يعود الكاتب إلى سيناريوهات إسبانيا 1936، ولبنان 1975، ويوغسلافيا 1991، ليفكك «وهم العيش الطبيعي» الذي يسبق الانفجار الكبير، محذراً من ملامح صراع أعمق يتشكل في المنطقة، صراع قد لا يتوقف عند حدود دولة بعينها، بل ينذر بـ «حرب أهلية إقليمية» عابرة للحدود.

يحاجج بعض الأصدقاء، ممّن لديهم نظرةٌ متفائلةٌ إلى مستقبل سوريا القادم، بمساحاتٍ من «العيشِ الطبيعي» يتمتّع بها كثير من سكان سوريا، وربما «أغلبهم». فها هم يذهبون إلى وظائفهم، ويمارسون نشاطهم الاجتماعي، ويتنزّهون ويرتادون المطاعم والمقاهي. أُضيف أنا: وكثير منهم يمارسون حقّهم في دعم سلطةٍ يعتبرونها ممثّلةً لهم. يضيف الأصدقاءُ شيئاً عن المدّة الزمنيّة القصيرة التي مضت مذ تسلّمت هذه السّلطة زمامَ الأمور في البلد، ناهيك بأنّها تسلّمت، أصلاً، «شبهَ بلدٍ» منهكاً أمنيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً.

في الآونة الأخيرة، بتُّ أفضّلُ عدم خوضِ سجالاتٍ طويلةٍ، معظمها عقيم، فأستدير وأمضي، ويتردّد في ذهني دائماً: لم أكن بحاجةِ ساعةٍ للتّجلّي كي أكتبَ في وقتٍ متأخرٍ من العام 2002 أن الأوضاع السّياسيّة في سوريا آنذاك تنبئ بمستقبلٍ قد يغرقها في بحرِ دماء، وهذا ما حدث. ولم أكن بحاجةٍ إلى تلك السّاعةِ أيضاً حين كتبت في أواخر العام 2024، بعد سقوط نظام الأسد، أننا لن نبلغ الشّهر الثالث حتى تسيل الدماء، ومن أسف، حدث ذلك فعلاً. لم تكن نبوءات، ولا هي حدسٌ أعمى، وليست الغاية من ذكرها هنا أن يُقال إنني كنت على حق، كنت أتمنّى لو لم أكن. هي، في الحقيقة، دعوةٌ لقراءةِ الوقائعِ التي كنّا نراها أنا وغيري واضحةً جليّة. وتساءلت دوماً، ما الّذي يجعل آخرين غافلين عنها؟

على أي حال، ولأنّ الحجّة بالحجّة، ولأنّ الحديث العابر لا يعدو كونه مجرّد رأيٍ ناتجٍ - في الغالبِ - عن انطباع، عرضتُ لحجج الأصدقاء، وها أنا أسوقُ حججاً في المقابل، ليس ردّاً عليهم بالضرورة، إنّما لتثبيتِ ما يدور في خلدي اليوم، لأقف في الغد، ربّما – من جديد أتمنّى ألاّ يحدث ذلك -  صارخاً: أشهد أنّي قد قلت!

ألم يكن الإسبان يعيشون حياتهم الطبيعيّة، ويذهبون إلى وظائفهم، ويمارسون نشاطهم الاجتماعي، ويتنزّهون ويرتادون المطاعم والمقاهي، في تمّوز/ يوليو من العام 1936؟ لا بل كانوا يمارسون نشاطهم السّياسي أيضاً على أرضيّة شرعيّة وقانونيّة. فقبل شهرين من ذلك التاريخ أجريت الانتخابات التشريعية، وفازت كتلة الإصلاحيين والاشتراكيّين واليساريين. لكن في المقابل كان ثمّة كتلة كبيرة لم تتقبّل الهزيمة: كتلة الملكيين والمحافظين وكبار الإقطاع المدعومين من الكنيسة الكاثوليكية. فرغم تحوّلات كبرى في بنية المجتمع الإسباني، وازدياد الهوة بين الطبقات منذ سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى وصعود اليسار المتأثر يومها - كما كل أوروبا - بالثورة البلشفية، ثم دخول البلاد في حكمٍ عسكريّ، فإلغاء الملكيّة وإعلان الجمهورية، بقيت تلك القوى المحافظة ترى أن إسبانيا مملكة، ولها وحدها الحق في إدارتها. سرعان ما انتقل الصراع من أروقة السياسة نحو الشارع. ووقعت أحداث عنفٍ متبادلة. اغتيل الضّابط الجمهوري خوسيه كاستيو، ثم اغتيل، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة السّياسي المحافظ البارز خوسيه كالفو سوتيلو، لتصبح الجريمتان الشرارة التي عجّلت بانقلاب عسكري قاده الجنرال فرانثيسكو فرانكو وعددٌ من الجنرالات، وانزلقت البلاد إلى حرب أهلية انتصر في نهايتها فرانكو فانفرد بالحكم حتى وفاته في 1975.

في السّياق ذاته، ومع اختلاف المعطيات، ألم يكن اللبنانيّون يعيشون حياتهم الطبيعيّة، بل وأكثر، بحسب ما عرفنا عن شعب لبنان من حبّه للحياة والعيش، قبل حادثة إطلاق النار أمام كنيسة سيّدة النجاة، ثم إطلاق النار على حافلة تقل فلسطينيّين في عين الرمّانة ذات يومٍ من العام 1975؟ لم تمنع التحوّلات في كيانٍ بُني أصلاً على توازناتٍ سياسيّة وطائفيّة الشعب من ممارسة نشاطه في الحياة. غير أنّ تلك التحوّلات الجذرية كانت تمر: تغييرات ديموغرافية حادّة، وظلال الهزيمة القاسية في حزيران/ يونيو من العام 1967، ثم انتقال الثقل الأساسي للعمل المسلّح الفلسطيني إلى بيروت مع قيادة منظّمة التحرير الفلسطينية بعد أحداث أيلول الأسود من العام 1970، كل تلك التحولات جرت في مناخٍ يصلح أن يكون النموذج السياسي الاجتماعي الأكثر إشراقاً في المنطقة: تعدّد في الأحزاب وحريّةٌ في عملها. تعدّدٌ إعلاميّ وتنافسٌ بين الصّحف. نشاطٌ في حركة التأليف والنشر. وفعاليّاتٌ فنّيةٌ وأدبية. لكن في المقابل أفضت أيضاً إلى حادثتي عين الرمانة اللتين أشعلتا حرباً استمرّت خمس عشرة سنة، ولم تنتهِ حتّى تعديل نظام المحاصصة الطائفي، بما أسماه الرعاة يومها «اتفاق الطائف» في العام 1989 كإطارٍ سياسيّ لإنهاء الحرب التي انتهت عمليّاتها العسكريّة في العام 1990.

من غرب إيران حتّى المتوسط، ومن جنوب تركيّا إلى شمال السّعوديّة تتراكم عناصر الحروب جميعها: انقسامات هويّاتيّة، وتدخّلات خارجيّة، وصراعات على شكل الدولة ووظيفتها، وفاعلون يتجاوز نفوذهم حدود الدول نفسها

في نموذجٍ مختلف، عاش اليوغوسلاف أيضاً حياتهم الطبيعية في كل المراحل السّياسيّة التي مرّت بها بلادهم. يوغوسلافيا أصلاً لم تكن موجودة قبل العام 1918، بل نشأت من إعادة رسم الخرائط بعد الحرب العالمية الأولى، حين قرر المنتصرون ضم مناطق كانت جزءاً من الإمبراطوريّة العثمانية، ومن الإمبراطورية النمساوية المجرية بعد انهيار الأولى وتفكك الثانية، في مملكةٍ واحدة. لم يظهر اسم يوغوسلافيا (بلاد السلاف الجنوبيين) حتى العام 1929 على يد الملك ألكسندر الأول بغية توحيد الهوية. بعد الحرب العالمية الثانية خضعت البلاد لحكم دكتاتوري برئاسة جوزيف بروز تيتو الّذي قاد الحركة الحزبية المناهضة للاحتلال خلال الحرب العالميّة الثانية وانتصر، ثمّ حكم البلاد حتّى وفاته في العام 1980، قبل أن تعود نزاعات القوميّات، لتستقل سلوفينيا ثم كرواتيا في العام 1991، ولتشهد أوروبا بعدها إحدى أبشع جرائم التطهير العرقي والحروب الأهلية. كان اليوغسلاف يعيشون حياتهم أيضاً بينما كانت الدولة تتداعى.

لم أذكر بعد قانون الإقصاء السّياسي (اجتثاث البعث) ونظام المحاصصة في العراق بعد الاحتلال الأميركي الّذي أفضى إلى اقتتال لفترة طويلة لا تزال آثاره مستمرة إلى يومنا. ولم أذكر أن خطاب الكراهية، وعبر الإعلام غير المسؤول والموجّه في رواندا، سبّب واحدة من أكبر وأسرع مذابح التطهير العرقي في العصر الحديث. نحن بالطبع لا نتكلّم عن حروب متشابهة، لكننا نتكلّم بوضوح عن مجموعة معطيات أدّى تراكمها عبر زمنٍ كافٍ إلى إنتاجِ بيئةٍ خصبةٍ لحروبٍ أهليّةٍ تلزمُ شرارةٌ واحدةٌ لإشعالها. حادثةُ اغتيالٍ هنا، أو تفجيرٌ هناك. هذه هي الحروب الأهلية. الصراع الأيديولوجي في بلدٍ ناجزٍ ونهائي كإسبانيا. نظام محاصصة طائفيٍّ وهويّاتيٍّ هش في بلدٍ متنوّع بني على أساسه كلبنان. وأزمةٌ في هويّة الدولة أصلاً بمقابل الهويّات القوميّة الأضيق في يوغسلافيا. نظام المحاصصة في بلدٍ أنهكته الديكتاتورية في العراق. وخطاب الكراهيةِ في رواندا. عوامل وإرهاصات متنوّعة أشعل كلُّ نموذجٍ منها حرباً في بلده.

ما نراه اليوم في هذه البقعة الجغرافية من العالم - سمّها ما شئت: الشّرق الأوسط، بلاد الشّام والرافدين، أو بأسماء بلدانها ذات حدود سايكس بيكو، لا فرق - قد يكون المشهد الأكثر تعقيداً لإرهاصات الحرب من كلّ تلك النماذج. نحن لا نقف، ربّما، أمام إرهاصات حربٍ أهليّة في دولةٍ بعينها، بل أمام مشهدٍ يجمع، في مساحةٍ شاسعة تمتدّ من غرب إيران حتّى المتوسط، ومن جنوب تركيّا إلى شمال المملكة العربية السّعوديّة، عناصر الحروب جميعها: انقساماتٌ هويّاتيّة، وتدخّلاتٌ خارجيّة، وصراعاتٌ على شكل الدولة ووظيفتها، وفاعلون يتجاوز نفوذهم حدود الدول نفسها. تجاوز الصراعُ المنطقَ السّياسي. وتعدّت الأهداف مصلحة الدول. بات العنف هو الأداة الأكثر نجاعةً برأي كثير من المتصارعين، مموّلين ومدعومين من قوىً تقف على مسافةٍ تنتظر الانقضاض كجارحٍ على فريسة. لم يعد الأمر مقتصراً على سلطةٍ دكتاتوريةٍ تواجه معارضين، وأضحت الدعوات إلى المقاطعة الاجتماعيّة واحدةً من أدوات فرض الهيمنة، ناهيك بالامتدادات العقائديّة بين دول المنطقة. وما نراه من ممارساتٍ عنيفة يوميّة (بالمفرّق)، وأكاد أجزم آسفاً، قد نراه غداً (بالجملةِ) على هيئة حربٍ أسمّيها «حرباً أهليّةً إقليميّة».

أمّا الأصدقاء المتفائلون بعيشٍ طبيعيٍّ ومزاولةٍ لمهنٍ ووظائف، وارتيادٍ للمطاعم والمقاهي، فأقول لهم: لم توقف هذه الممارسةُ حرباً في كل نماذج التاريخ الأقل تعقيداً، ولا أظنّها قادرة - وحدها - على إيقافها في نموذجنا الأكثر تعقيداً، أقول ذلك مع أملي الصادق أن تخطئ قراءتي هذه المرة، لكن حين تجتمع كل تلك العناصر في الوقت نفسه، ربما لن يعود كافياً أن نتساءل: هل ستقع حربٌ أهليّة؟ وإنّما: متى وأين ستبدأ؟ وكيف ستعبر الحدود؟

المرحلة_الانتقالية_في_سوريا الحروب_الأهلية الحرب_الأهلية_اللبنانية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0